دوام الذكر سبيل الفكر

ذكر الله

  فيما يجب على الأنام نحو خير الأنام

 

دوام الذكر سبيل الفكر

لا إله إلا الله

سبق الحديث عن البسملة والاستغفار، ونكمل حديثنا اليوم عن التهليل (لا إله إلا الله) فجميعها مكونة من ثلاثة أحرف وهى (ا ل هـ) بمعنى (إله) وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله) كما قال أيضا صلى الله عليه وسلم (لو أن السموات السبع والأراضين السبع فى كفة مالت بهن لا إله إلا الله) للنسائى وابن حبان، وفيما أخرجه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال قال صلى الله عليه وسلم (قال موسى عليه السلام: يارب علمنى شيئا أذكرك به وأدعوك به، قال: ياموسى قل لا إله إلا الله، قال يارب كل عبادك يقولون هذا، إنما أريد شيئا تخصنى به، قال: يا موسى لو أن السموات السبع والأراضين السبع فى كفة مالت بهن لا إله إلا الله) وقال صلى الله عليه وسلم (جددوا إيمانكم وأكثروا من قول لا إله إلا الله) للإمام أحمد والحاكم وقد قال صلى الله عليه وسلم (يا أبا هريرة لقن الموتى شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تهدم الذنوب هدما، قلت يا رسول الله هذا للموتى فكيف للأحياء؟ قال صلى الله عليه وسلم : هى أهدم وأهدم) وعن أبى الدرداء قال قال صلى الله عليه وسلم (ليس من عبد يقول لا إله إلا الله مائة مرة إلا بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر) الطبرانى فى الكبير.

يا دايم

الاسم (الدايم) ليس من الأسماء الحسنى ولكنه اسم يفيد الديمومية بمعنى الاستمرارية، وصفة الاستمرار صفة لازمة وسارية فى كل الأسماء الحسنى فيكون الذكر بهذا الاسم يشمل الذكر بالأسماء الإلهية جميعها، ولأن لكل شيخ اسم من الأسماء يختص به فكان اختصاص سيدى إبراهيم الدسوقى رضى الله عنه بهذا الاسم لأنه السارى فى كل الأسماء.

اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم

جميع النوافل وردت عن النبى صلوات ربى وسلامه عليه إلا الصلاة على الحبيب فهى النافلة الوحيدة التى أمرنا الله بها، بل بدأ بنفسه سبحانه قبل أن يأمرنا بها، فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليم﴾ وفيما أخرج البيهقى عن سيدنا أنس أنه قال، قال صلى الله عليه وسلم (أكثروا علىّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فمن صلى علىّ صلاة صلى الله عليه عشرا) وللبيهقى عن الصحابى الجليل أبى أمامة قال قال صلى الله عليه وسلم (أكثروا من الصلاة علىّ فى كل يوم جمعة فإن صلاة أمتى تعرض علىّ فى كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علىّ صلاة كان أقربهم منى منزلة) وللطبرانى عن سيدنا أنس قال قال صلى الله عليه وسلم (من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ومن صلى على عشر صلى الله عليه مائة ومن صلى على مائة كتب الله بين عينيه براءة من النفاق وبراءة من النار وأسكنه يوم القيامة مع الشهداء) وفيما أخرجه الإمام أحمد والديلمى عن سيدنا أنس قال قال صلى الله عليه وسلم (من صلى علىّ فى يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده فى الجنة) وفيما أخرج البيهقى عن سيدنا أنس قال قال صلى الله عليه وسلم (إن أقربكم منى يوم القيامة فى كل موطن أكثركم علىّ صلاة فى الدنيا، من صلى علىّ فى يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله فى قبرى كما تدخل عليكم الهدايا يخبرنى بمن صلى على باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندى فى صحيفة بيضاء) وفيما أخرج الديلمى عن سيدنا الإمام على كرم الله وجهه قال قال صلى الله عليه وسلم (إن لله ملائكة خلقوا من النور لا يهبطون إلا ليلة الجمعة ويوم الجمعة بأيديهم أقلام من ذهب ودوى من فضة وقراطيس من نور لا يكتبون إلا الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم) وأخرج الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف قال (خرج رسول الله فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيه فدنوت منه فرفع رأسه، قال: من هذا؟ قلت: عبد الرحمن، قال: ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله سجدت سجدة حتى ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال: إن جبريل آتانى فبشرنى فقال: إن الله عز وجل يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه) وفى رواية أخرى أزاد (فسجدت لله شكرا) وقال صلى الله عليه وسلم (إنى رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتى يزحف على الصراط مرة ويحبو مرة ويتعلق مرة فجاءته صلاته علىّ فأخذت بيده فأقامته على الصراط حتى جاوزه) للطبرانى، وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال صلى الله عليه وسلم (زينوا مجالسكم بالصلاة علىّ فإن صلاتكم علىّ نور لكم يوم القيامة) للديلمى، وقال صلى الله عليه وسلم (شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل علىّ) للطبرانى وعن عبد الله بن جراد قال  (شهدت النبى صلى الله عليه وسلم يقول حجوا الفرائض فإنها أعظم أجرا من عشرين غزوة فى سبيل الله وإن الصلاة علىّ تعدل ذلك كله) للديلمى.

اللهم صل وسلم وبارك عليك يا سيدى يا حبيب الله وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الأخيار.

محمد سيد

ذكر الله

الذكر هو ترديد اسم (الله) دون طلب المنفعة منه أو رد مضرة عنا، والآيات التى تحث على الذكر كثيرة، فانظر معى أيها الحبيب إلى بعضها: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾، ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا﴾، ﴿قد أفلح من تزكى  vوذكر اسم ربه فصلى﴾، ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا﴾، ﴿فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون﴾، ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾. والذكر لقوته يضفى صفته على ما يخالطه، فالصلاة ذكر من حيث أنها تحتوى على ذكر، انظر قوله تعالى فى سورة الجمعة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ بمعنى أن الصلاة ذكر ومع ذلك فهى ليست الذكر الصرف المطلق.

 وقوله تعالى ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق  vليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ وهنا الحج ذكر ولكنه ليس الذكر المطلق. والدليل قوله تعالى ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ فالآية هنا جمعت الذكر والصلاة والزكاة ويعضدها قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا  vوسبحوه بكرة وأصيل﴾ فالآية هنا جمعت الذكر والتسبيح وكذلك قوله سبحانه ﴿كى نسبحك كثيرا  vونذكرك كثير﴾ وقوله جل شأنه ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ فالآية جمعت الصلاة والذكر وقوله أيضا ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وهنا أيضا الآية جمعت الذكر وقراءة القرآن، مع أن قراءة القرآن ذكر ولكنه ليس الذكر الصرف. والأذكار التى وردت عن النبى صلى الله عليه وسلم ليست أوراد السير إلى (الله) ولكنها لقضاء الحوائج وهى كثيرة جدا بحيث أنه لا يمكن لأحد أن يداوم عليها جميعا ولا تناسب الجميع، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يعطى كل صحابى ما يناسبه، وهى تسمى بأسمائها المختلفة مثل التكبير (الله أكبر) والتسبيح (سبحان الله) والتهليل (لا إله إلا الله) والحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله) وهكذا، وهناك محاولات من الصالحين لإحصائها مثل كتاب (الأذكار) للإمام النووى وهو كتاب جامع كبير لبعض أذكار المصطفى صلى الله عليه وسلم، واسم الكتاب يدل عليه فاسمه (الأذكار المنتخب من كلام سيد الأبرار) المنتخب وليس جميع ما قاله الحبيب صلوات ربى وسلامه عليه، والصوفية والصالحين يأخذون من هذه الأذكار فى أحزابهم (وهى أوراد فوائد) ولكن كلٌ بما يناسبه ويناسب مشاكله ومشاكل عصره، واختصاص النبى صلى الله عليه وسلم له، فمثلا الإمام النووى صاحب الكتاب المشار إليه، له أيضا الحزب النووى الذى كان يقرأه كورد خاص به، أما ذكر الله المطلوب له الكثرة فى كتاب الله فى قوله تعالى من سورة الأحزاب ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ لم يجمع معه عبادة أخرى. والذكر كما ذكرنا آنفا هو ترديد اسم الله دون طلب لمنفعة أو دفع لمضرة، وهذا الذكر هو الموجب لوجل القلوب والاهتزاز كما ورد فى قوله تعالى فى سورة الأنفال ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ وهو ما ورد فى الأحاديث عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أورد عبد الله بن عقبة فى مجمع الزوائد قائلا (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمايلون فى الذكر كما تمايل الريح الأشجار) وكما قال أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم (أيها الناس اذكروا الله على كل حال) للديلمى والمناوى فى كنوز الحقائق، وقال مجاهد (لا يكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا) للإمام النووى، وأخرج الإمام أحمد فى الزهد عن ثابت البنانى قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ فخرجنا نلتمسهم فوجدنا سلمان فى عصابة يذكرون الله فلما رأونا كفوا فقال صلى الله عليه وسلم: ماكنتم تقولون؟ قال سلمان: نذكر الله الله، فقال صلى الله عليه وسلم: إنى رأيت الرحمة تغشاكم، الحمد لله الذى وجد فى أمتى من أمرت أن أصبر نفسى معهم، وللحديث رواية أخرى عن عثمان بن مظعون ورواية ثالثة عن عبد الله بن رواحة، وقد أخرج الطبرانى والحاكم وأبو الدنيا وأبو يعلى والبزار وصححه البيهقى عن جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر فى الأرض، فارتعوا فى رياض الجنة، قلنا: وأين رياض الجنة يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا فى ذكر الله وذكروه أنفسكم).

محمد عادل

  فيما يجب على الأنام نحو خير الأنام

قال الله تعالى ﴿قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال إقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره﴾.

فكفى بهذا حفيا وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وفى الحديث المروى عن أبو على الغيتانى بسنده إلى أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) وعن أبى هريرة رضى الله عنه نحوه وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار).

وعن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلى من كل شئ إلا نفسى التى بين جنبى، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) فقال عمر: والذى أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلىّ من نفسى التى بين جنبى فقال له النبى صلى الله عليه وسلم (الآن يا عمر) وفى بعض المراجع (الآن كمل إيمانك يا عمر).

وقال سهل التسترى رضى الله عنه من لم ير ولاية الرسول عليه فى جميع الأحوال ويرى نفسه فى ملكه صلى الله عليه وسلم لا يذوق حلاوة لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين).

وفى ثواب محبته صلى الله عليه وسلم:

حدثنا سيدنا أبو محمد بن عتاب بسنده عن سيدنا أنس رضى الله عنه أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال متى الساعة يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم (ما أعددت لها) قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكنى أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت).

وعن صفوان بن قدامة هاجرت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأتيته فقلت: يا رسول الله ناولنى يدك أبايعك فناولنى يده قلت: يا رسول الله إنى أحبك قال (المرء مع من أحب).

وروى هذا اللفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم ساداتنا عبد الله بن مسعود وأبو موسى وأنس وعن أبى ذر بمعناه.

وعن سيدنا على بن أبى طالب أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين فقال (من أحبنى وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معى فى درجتى يوم القيامة).

وروى أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلى من أهلى ومالى وإنى لأذكرك فما أصبر حتى أجئ فأنظر إليك وإنى ذكرت موتى وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وإن دخلتها لا أراك فأنزل الله تعالى ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ فدعاه فقرأها عليه.

وفى حديث أنس رضى الله عنه (من أحبنى كان معى فى الجنة).

فيما روى عن السلف والأئمة من محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أشد أمتى لى حبا ناس يكونون بعدى يود أحدهم لو رآنى بأهله وماله).

عبد الهادى محمد يونس