واحة الثقافة والأدب

قصص

نفحات وعبر

أمثال وحكم

عذب الحديث

قصص

وصية الحطيئة

الشاعر الحطيئة، لما حضرته الوفاة اكتنفه أهله وبنو عمه، فقيل: يا حطئ أوص، قال: وبم أوصى؟ مالى بين بنى، قالوا: قد علمنا أن مالك بين بنيك، فأوص، فقال: ويل للشعر من راوية السوء، فأرسلها مثلا، فقالوا: أوص، فقال: أخبروا أهل ضابئ بن الحارث أنه كان شاعرا حيث يقول:

لكل جديد لذة، وغيــر أننى       وجدت جديد الموت غير لذيذ

وفى بعض الروايات أنه قيل له: يا أبا مليكة أوص، قال: مالى للذكور دون الإناث، قالوا: إن الله لم يأمر بذا، قال: فآتى آمر، قالوا: أوصه، قال: أخبروا آل الشماخ أن أخاهم أشعر العرب حيث يقول:

وظلت بأعراف صياما كأنهـا      رماح نحاها وجهة الريح راكز

قالوا: أوصيه فإن هذا لا يغنى عنك شيئا، قال: أبلغوا كندة أن أخاهم أشعر العرب يقول:

فيالك من ليل كأن نجومــه       بأمراس كتان إلى صم جندل

يعنى امرؤ القيس، قالوا: أوصه فإن هذا لا يغنى عنك شيئا، قال: أخبروا الأنصار أن أخاهم أمدح العرب حيث يقول:

غشون حتى ما تهر كلابهـم      لا يسألون عن السواد المقبل

قالوا: أوصه فإن هذا لا يغنى عنك شيئا قال: أوصيكم بالشعر خيرا، ثم أنشأ يقول:

الشعر صعب وطويل سلمــه        ذا ارتقى إلى الذى لا يـعلمـه

زلت به إلى الحضيض قدمـه         الشعر لا يطيعه من يظلمــه

يريد أن يـعربه فيعجمـــه         لم يزل من حيث يأتى يخرمه

من يسم الأعداء يبقى ميسمـه

قالوا: أوصه فإن هذا لا يبقى عنك شيئا، قال:

كنت أحيانا شديد المعتمــد      وكنت أحيانا على خصمى ألد

قد وردت نفسى وما كادت ترد

قالوا: أوصه فإن هذا لا يغنى عنك شـيئا، قال: واجزعاه على المديح الجيد يمدح به من ليس من أهله، قالوا: أوصه فإن هذا لا يغنى عنك شيئا، فبكى، قالوا: وما يبكيك؟ قال: أبكى الشعر الجيد، من راوية السوء، قالوا: أوص للمساكين بشئ، قال: أوصيهم بالمسألة وأوص الناس أن لا يعطوهم، قالوا: أعتق غلامك فإنه قد رعى عليك ثلاثين سنة، قال: هو عبد ما بقى على الأرض عبسى، ثم قال: احملونى على حمارى ودوروا بى حول هذا التل فإنه لم يمت على الحمار كريم، فعسى ربى أن يرحمنى، فحمله ابناه وأخذا بضبعيه ثم جعلا يسوقان الحمار حول التل، وهو يقول:

قد عجل الدهر والأحداث يتمكما         فاستغنيا بوشيك إنـنــى عان

ودليانى فى غبراء مـظـلمـة         كما تدلى دلاء بين أشـطــان

قالوا: يا أبا مليكة، من أشعر العرب؟

قال: هذا الجحير، إذا طمع بخير، وأشار بيده إلى فيه، وكان آخر كلامه، فمـات وكان له عشرون ومائة سنة، منها سبعون فى الجاهلية، وخمسـون فى الإسلام.

ويروى أنه أراد سفرا، فلما قدم راحلته قالت له امرأته: متى ترجع؟ فقال:

عدى السنين لغيبتى وتصبرى       ودعى الشهور فإنهن قصـار

فقالت:

اذكر صبابتنا إليك وشوقنــا      وارحم بناتك إنهن صغــار

قالوا: وما مدح قوما إلا رفعهم، وما هجا قوما إلا وضعهم. وقال يهجو نفسه وقد نظر فى المرآة، وكان دميما:

أبت شفتاى اليوم إلا تكلمــا        بسوء، فما أدرى لمن أنا قائله

أرى لى وجها شوه الله خلقـه        فقبح من وجه وقبح حـاملـه

نفحات وعبر

الشعر فى الميزان

أن الشعر ليس فى نفسه مذموما، بل الحسن والقبح راجعان إلى المفهوم، فالمفهوم إذا كان قبيحا، فالمنثور والمنظوم من القول سواء، ومعنى القبيح: أن يكون فيه فحش أو أذى لمسلم أو كذب، والكذب الممنوع فى الشعر ما كان مضرا بأمر دينى، لا الكذب الذى أتى به لتحسين الشعر فقط، فإنه مأذون فيه، وإن استغرق الحد، وتجاوز المعتاد. ألا ترى قصيدة كعب بن زهير رضى الله عنه؟ فإنه تغزل فيها بسعاد، وأتى من الإغراقات والاستعارات والتشبيهات بكل بديع، لاسيما تشبيه الرضاب بالشراب، فى قوله:

تجلو عوارض ذا ظلم إذا ابتسمت          كأنها منهل بالراح معلول

والنبى صلى الله عليه وسلم سمعه وما أنكر، بل صارت هذه القصيدة أحسن الوسائل إلى الشفاعة، وأوثق الذرائع إلى الإغماض عن الشناعة، وفازت بحسن القبول من جنابه، وجازى قائلها بعطية من جلبابه، ولله در أبى إسحاق الغزى حيث قال:

جحود فضيــلة الشعراء غـى         وتفخيم المديح من الـرشــاد

محت بانت سعاد ذنــوب كعب         وأعلت كعبه فى كـل نــادى

وما افتقر النبى إلى قــــصيد        مشببة ببين من سعـــــاد

ولكن من إســـداء الأيــادى         وكان إلى المكارم خير هــاد

*********

ما بين خادمة وسيدها

قال محمد بن أبى الفرج : احتجت إلى خادمة فى رمضان لتصنع لى الطعام، فرأيت فى السوق جارية مصفرة اللون، نحيلة الجسم، يابسة الجلد، فرضيت أن تكون لى خادمة رحمة بها، وأتيت بها إلى المنزل، وقلت لها خذى وعاء وامضى معى إلى السوق لنشترى حوائج رمضان، فتعجبت وقالت يا سيدى أنا كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، فعلمت أنها من الصالحات، وكانت تقوم الليل كله فى رمضان، فلما كانت ليلة العيد قلت لها امضى بنا إلى السوق لنشترى حوائج العيد، فقالت يا سيدى أى حوائج العيد تريد؟ حوائج العوام أم حوائج الخواص؟ فقلت لها صفى لى حوائج كل من العوام والخواص، فقالت يا سيدى حوائج العوام الطعام المعهود، وأما حوائج الخواص فهى الاعتزال عن الخلق والتفريد والتفرغ للخدمة والتجريد والتقرب بالطاعة إلى الله والتزام ذل العبيد، فقلت لها فإنما أحتاج حوائج الطعام، فقالت أى طعام تعنى؟ طعام الأجساد أم طعام القلوب؟ فقلت لها صفيهما لى؟ فقالت أما طعام الأجساد فهو القوت المعتاد وأما طعام القلوب فترك الذنوب وإصلاح العيوب والتمتع بمشاهدة المحبوب والرضا بحصول المطلوب وحوائجه الخشوع والتقوى وترك الكبر والدعوى والرجوع إلى الله والتوكل عليه فى السر والنجوى ثم قامت تصلى فى خشوع وخضوع وما أن انتهت من صلاتها، حتى وافاها الأجل رحمة الله عليه.

 

أمثال وحكم

من أمثال العرب

(تجمعين خلابة وصدودا)

يضرب هذا المثل لمن يجمع بين خصلتى شر.

قالوا: هو من قول جرير بن عطية، وذلك أن الحجاج بن يوسف أراد قتله، فمشت إليه مضر فقالوا: أصلح الله الأمير! لسان مضر وشاعرها، هبه لنا، فوهبه لهم، وكانت هند بنت أسماء بن خارجة ممن طلب فيه، فقالت للحجاج: إئذن لى فأسمع من قوله، قال: نعم، فأمر بمجلس له وجلس فيه هو وهند، ثم بعث إلى جرير فدخل وهو لا يعلم بمكان الحجاج، فقالت: يا ابن الخطفى أنشدنى قولك فى التشبيب، قال: والله ما شببت بامرأة قط، وما خلق الله شيئا أبغض إلى من النساء، ولكنى أقول فى المديح ما بلغك، فإن شئت أسمعتك، قالت: يا عدو نفسه فأين قولك:

يجرى السواك على أغـر كأنه        برد تحدر من متون غـمــام

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا        وقت الزيارة فارجعى بــسلام

لـو كنت صادقة الذى حدثتنـا        لوصلت ذاك فكان غير رمـام

قال جرير: لا والله ما قلت هذا، ولكنى أقول:

لقد جرد الحجاج بالحق سيفـــه         ألا فاستقيموا لا يميلن مــــائل

ولا يستوى داعى الضلالة والهدى          ولا حجة الخصمين حق وبــاطل

فقالت هند: دع ذا عنك، فأين قولك:

خليلى لا تستشعرا النـوم، إننـى       أعيذكمـا بالله أن تجدا وجــدى

ظمئت إلى برد الشراب وغرنـى       جدا مزنة يرجى جداها وما تجدى

قال جرير: بل أنا الذى أقول:

ومن يأمن الحجاج، أما عقابـه        فمر، وأما عقده فوثيــــق

لخفتك حتى أنزلتنى مخافتـى         وقد كان من دونى عماية نيق

يسر لك البغضاء كـل منافق         كما كل ذى ديـن عليك شفيق

قالت: دع ذا عنك، ولكن هات قولك:

يا عاذلى دعا الملامة واقــصرا       طال الهوى وأطلتما التفنيـــدا

إنى وجدتك لو أردت زيـــارة       فى الحب منى ما وجـدت مزيدا

أخلبتنا وصددت أم محـمـــد        أفتجمعين خـلابة وصـــدودا

لا يستطيع أخو الصبابة أن يرى        حجرا أصم وأن يكــون حديدا

*********

(أنوار الأشواق وصحة القصد)

كانت أم داب من كبار العابدات وبلغ عمرها التسعين من السنين، وهى تحج كل عام على قدميها من المدينة، فكف بصرها وحضر وقت الحج.

 فــدخل النساء عليها يزورونها ويعزونها فى بصرها، فبكت وقالت وعزتك يا مولاى لإن فقدت نور بصرى بين يديك فما فقدت أنوار أشواقى إليك ثم أحرمت وقالت لبيك اللهم لبيك، ثم قالت لأصحابها أقسمت عليكن ألا تقودنى أحد منكن، فكانت تمشى بين أيديهن فربما سبقتهن فقال رجل من أصحابها: فعجبت من حالها فهتف بى هاتف وهو يقول يا هذا أتعجب من ضعيفة اشتاقت إلى بيت مولاها فحملها إليه وهداها بصحة قصدها عليه.